تقرير | الاقتصاد الليبرالي ومضيق هرمز: من حرية الملاحة إلى حرية التجارة الدوليه
لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر بحري ذي أهمية استراتيجية لمنطقة الخليج، بل أصبح يمثل اختبارًا حقيقيًّا لقدرة النظام القانوني الدولي على حماية أحد أهم أسس الاقتصاد الليبرالي العالمي وهي حرية انتقال السلع والخدمات والطاقة والتجارة عبر الممرات الدولية.
ففي عالم يعتمد بصورة متزايدة على سلاسل الإمداد العالمية، لم تعد حرية الملاحة مسألة مرتبطة فقط بأمن البحار، بل أصبحت شرطًا اقتصاديًّا وقانونيًّا لاستمرار حركة التجارة الدولية. وأي تهديد لهذا المبدأ لا يؤثر فقط على الدول الواقعة في المنطقة، بل يمتد أثره إلى الأسواق العالمية، وأسعار الطاقة، واستقرار التجارة الدولية بما في ذلك الاستقرار الاقتصادي للاتحاد الأوروبي.
يمثل كلٌّ من الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي، كتلتين إقليميتين سياسيتين واقتصاديتين ذات تأثير دولي، حيث يقوم الاتحاد الأوروبي على نموذج متقدم من التكامل الاقتصادي والسياسي، بينما يمثل مجلس التعاون الخليجي إطارًا إقليميًّا للتنسيق السياسي والاقتصادي بين دول الخليج العربية.
تقوم العلاقات بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي على أطر تعاون متراكمة بدأت باتفاقية التعاون لعام 1988، وتطورت عبر حوارات وشراكات قطاعية شملت التجارة والاستثمار والطاقة والاستدامة البيئية والطاقة النظيفة والمتجددة والأمن الإقليمي، وصولًا إلى الشراكة الاستراتيجية لعام 2022 التي وسّعت نطاق التعاون السياسي والاقتصادي بين الكتلتين.
وفي البيان المشترك الصادر في بروكسل بتاريخ 13 يوليو 2026 بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي بشأن مضيق هرمز وحرية الملاحة، أكد الطرفان أن حرية الملاحة وحق المرور عبر مضيق هرمز، باعتباره مضيقًا مستخدمًا للملاحة الدولية، مكفولان بموجب القانون الدولي واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS)، وأن هذه الحقوق لا يجوز تعليقها أو إعاقتها أو جعلها مشروطة من قبل أي دولة.
كما أكد البيان رفض أي محاولة لفرض سيطرة أحادية على المضيق، أو فرض تصاريح أو رسوم عبور أو شروط على حركة السفن التجارية، باعتبار أن الممرات الدولية تخضع لقواعد القانون الدولي وليس لإرادة دولة واحدة. وجاء هذا البيان المشترك في ظل انتهاكات إيرانية واضحة وصريحة لقواعد القانون الدولي، والتي لا تمس فقط أمن الملاحة الدولية، بل تهدد كذلك المبادئ الأساسية للاقتصاد الليبرالي العالمي، وفي مقدمتها حرية التجارة وانسيابية حركة السلع والطاقة عبر الممرات الدولية.
أولاً: حرية الملاحة كأساس قانوني لحرية التجارة
تستند حماية مضيق هرمز إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، التي تشكل الإطار القانوني الأساسي لتنظيم استخدام البحار.
وتنص:
- المادة 38 من اتفاقية UNCLOS على حق المرور العابر عبر المضائق المستخدمة للملاحة الدولية.
- المادة 44 من UNCLOS تلزم الدول المشاطئة للمضائق بعدم عرقلة أو تعليق المرور العابر.
وعليه، فإن أي محاولة لتحويل مضيق دولي إلى ممر يخضع للإذن السياسي أو القيود الأحادية تمس أحد المبادئ الأساسية التي يقوم عليها القانون البحري الدولي، وهو أن حرية الملاحة ليست امتيازًا تمنحه دولة، بل حقًّا قانونيًّا معترفًا به للمجتمع الدولي. ومن منظور اقتصادي، فإن حماية السفن التجارية تعني حماية حركة التجارة نفسها، لأن التجارة الدولية لا تتحقق عبر الاتفاقيات والأسواق فقط، بل تعتمد قبل ذلك على قدرة وسائل النقل على الوصول إلى هذه الأسواق بصورة آمنة ومستقرة.
ثانيًا: مضيق هرمز وقانون التجارة الدولية (WTO)
رغم أن منظمة التجارة العالمية لا تنظم مباشرة حركة السفن أو الأمن البحري، إلا أن النظام التجاري العالمي الذي تقوم عليه المنظمة يعتمد على وجود طرق نقل مفتوحة ومستقرة.
وتبرز هنا عدة مبادئ قانونية:
- المادة الخامسة من الاتفاقية العامة للتعريفات والتجارة لعام 1994 (GATT Article V – Freedom of Transit)، التي تكرس مبدأ حرية العبور للتجارة ووسائل النقل.
- المادة الحادية عشرة من اتفاقية الجات (GATT Article XI)، التي تحظر القيود الكمية على التجارة الدولية.
وبالتالي، فإن تعطيل ممر بحري استراتيجي لا يمثل فقط مشكلة أمنية، بل يؤدي إلى آثار اقتصادية مشابهة للحواجز التجارية، من خلال زيادة تكاليف النقل، تهديد استقرار الإمدادات، وإضعاف القدرة على التنبؤ في الأسواق العالمية. فالاقتصاد الليبرالي العالمي يقوم على مبدأ أساسي: حركة التجارة يجب أن تكون قائمة على قواعد واضحة ومستقرة، وليس على قدرة أي دولة على التحكم في نقاط الاختناق الاقتصادية العالمية.
ثالثًا: الاتحاد الأوروبي والنظام الاقتصادي القائم على القواعد
رغم أن قانون الاتحاد الأوروبي لا ينطبق مباشرة على الدول خارج الاتحاد، إلا أن الإطار القانوني للاتحاد يعكس المبادئ التي توجه سياسته التجارية والخارجية.
فقد نصت معاهدة عمل الاتحاد الأوروبي TFEU
(Treaty on the Functioning of the European Union)
- المادة 26 (TFEU) على إنشاء السوق الداخلية التي تقوم على حرية حركة السلع.
- المواد 28–37 من TFEU على تنظيم حرية تداول السلع داخل الاتحاد.
- المادتان 206 و207 من TFEU على أن السياسة التجارية المشتركة للاتحاد تهدف إلى المساهمة في تطوير تجارة دولية حرة وعادلة وقائمة على القواعد.
وكذلك معاهدة الاتحاد الأوروبي TEU
(Treaty on European Union)
- المادة 21 (TEU) على التزام الاتحاد بدعم القانون الدولي والتعاون متعدد الأطراف.
وبذلك، فإن حماية طرق التجارة العالمية والممرات البحرية الدولية تتقاطع مع المصالح الاقتصادية والقانونية للاتحاد الأوروبي باعتباره أحد أكبر الفاعلين التجاريين عالميًّا.
رابعًا: مجلس التعاون الخليجي والبُعد الاقتصادي لمضيق هرمز
بالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي، فإن مضيق هرمز يمثل عنصرًا حيويًّا في البنية الاقتصادية الإقليمية والدولية، ليس فقط بسبب دوره في نقل الطاقة، بل بسبب ارتباطه المباشر بحركة التجارة والاستثمار وسلاسل الإمداد.
إن استقرار هذا الممر البحري يشكل جزءًا من الأمن الاقتصادي لدول الخليج، كما أن أي تهديد لحركة الملاحة يؤثر على البيئة التجارية والاستثمارية التي تعتمد عليها الاقتصادات الخليجية.
ومن هذا المنطلق، فإن التعاون بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي يعكس تقاطعًا بين المصالح الاقتصادية والقانونية للطرفين: حماية التجارة، ضمان استقرار الأسواق، وتعزيز احترام القواعد الدولية.
خامسًا: البعد القانوني الدولي لاستخدام القوة ضد التجارة
كما أشار البيان الأوروبي–الخليجي، الى أن الهجمات على السفن التجارية والأراضي السيادية لدول المنطقة تمثل انتهاكًا للقانون الدولي وفق الموقف المعلن من الطرفين، ومخالفة قرار مجلس الأمن رقم 2817 لما تنطوي عليه من تهديد لحرية الملاحة الدولية واستهداف للسفن التجارية وسيادة دول المنطقة، بما يقوض الأمن والاستقرار الإقليميين ويخالف الالتزامات التي أكد عليها القرار.
كما أن المادة 2(4) من ميثاق الأمم المتحدة تحظر التهديد أو استخدام القوة ضد سلامة أراضي الدول أو استقلالها السياسي.
وعندما تستخدم القوة أو التهديد بها للتأثير على طرق التجارة الدولية، فإن التأثير لا يقتصر على الجانب الأمني، بل يمتد إلى النظام الاقتصادي العالمي الذي يعتمد على الاستقرار القانوني والثقة بين الدول. إن أزمة مضيق هرمز تؤكد أن حرية الملاحة وحرية التجارة ليستا مفهومين منفصلين، بل عنصرين مترابطين داخل النظام الاقتصادي العالمي. فالقانون البحري الدولي يحمي حركة السفن، وقواعد التجارة الدولية تحمي حركة السلع، والاقتصاد الليبرالي يعتمد على تكامل الاثنين معًا. ولهذا فإن مستقبل التجارة العالمية لا يرتبط فقط بإزالة القيود التجارية، بل أيضًا بضمان أن تبقى الطرق التي تحمل هذه التجارة مفتوحة وآمنة وخاضعة لسلطة القانون الدولي.
*أخصائية شؤون الإتحاد الأوروبي – حاصلة على درجة الماجستير في قانون الإتحاد الأوروبي وسياساته من جامعة بورجنلاند في النمسا ...
이 뉴스, 어떠셨어요?
탭 한 번으로 반응 · 로그인 불필요