تحليل اقتصادي | هل يصبح اقتصاد الليل رهان البحرين السياحي الجديد؟
نحو 72.6 دينارا متوسط إنفاق السائح اليومي في البحرين في 2025
الاقتصاد الليلي في العاصمة البريطانية يدعم نحو 1.3 مليون وظيفة
15.7 مليون مسافر غير بحريني استقبلتهم المملكة
594,752 زائرا استقبلهم مركز زوار مسار اللؤلؤ في ديسمبر 2025
شهد القطاع السياحي في البحرين في السنوات الأخيرة تحولا لافتا لم يعد يقتصر على استقطاب المزيد من الزوار بل امتد إلى تحقيق عائد اقتصادي أعلى من النشاط السياحي فقد ارتفعت إيرادات السياحة الوافدة من نحو 709 ملايين دينار بحريني في عام 2021 إلى أكثر من 2.03 مليار دينار في عام 2025 بالتزامن مع ارتفاع متوسط إنفاق السائح إلى نحو 72.6 دينارا يوميا وتعكس هذه المؤشرات نجاح السياسات السياحية في تحويل القطاع إلى أحد روافد التنويع الاقتصادي بعد أن أصبح تأثيره يمتد إلى قطاعات الضيافة والتجزئة والنقل والخدمات.
غير أن هذا النجاح يفتح الباب أمام سؤال أكثر أهمية: كيف تستطيع البحرين تحقيق نمو جديد في الإيرادات السياحية دون أن تعتمد فقط على زيادة أعداد الزوار؟
تكمن أهمية هذا السؤال في أن المنافسة بين الوجهات السياحية تغيرت بصورة واضحة في السنوات الأخيرة ففي الماضي كان النجاح يقاس بعدد السياح أما اليوم فأصبحت المؤشرات الأكثر أهمية تتمثل في مدة الإقامة ومتوسط الإنفاق والقيمة الاقتصادية التي يضيفها كل زائر للاقتصاد المحلي فالسائح الذي يقضي وقتا أطول داخل الوجهة ويستهلك خدمات متنوعة يحقق أثرا اقتصاديا يفوق في كثير من الأحيان استقطاب أعداد أكبر من الزوار ذوي الإنفاق المحدود.
ومن هنا بدأت العديد من المدن السياحية حول العالم في البحث عن مصدر جديد للنمو لا يعتمد على بناء مزيد من الفنادق أو فتح أسواق جديدة فقط بل على استثمار الساعات التي كانت تعد سابقا خارج النشاط الاقتصادي أي الفترة الممتدة بعد غروب الشمس وظهر ما يعرف بـ الاقتصاد السياحي الليلي وهو مفهوم يقوم على تحويل ساعات المساء إلى مساحة إنتاج اقتصادي من خلال تنشيط المطاعم والمقاهي والأسواق والفعاليات الثقافية والترفيهية ووسائل النقل بما يرفع العائد الاقتصادي من السائح نفسه.
وبالنسبة للبحرين فإن هذا التوجه لا يمثل تغييرًا في مسار القطاع السياحي بقدر ما يمثل مرحلة جديدة في تطويره فالمملكة تمتلك بنية فندقية متقدمة وأسواقا تراثية وواجهات بحرية ومجمعات تجارية إضافة إلى روزنامة متنامية من الفعاليات على مدار العام لذلك فإن التحدي لم يعد يتمثل في توفير المقومات السياحية وإنما في كيفية توظيفها ضمن تجربة متكاملة تدفع الزائر إلى البقاء فترة أطول وتوسيع دائرة إنفاقه بما يرفع القيمة الاقتصادية لكل رحلة سياحية.
لماذا أصبح الليل أكثر ساعات السائح قيمة؟
إذا كانت الوجهات السياحية تسعى اليوم إلى زيادة العائد الاقتصادي من كل زائر فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: متى ينفق السائح أكبر قدر من أمواله؟
تشير البيانات الدولية إلى أن جانبا كبيرا من الإنفاق الاستهلاكي يحدث خلال الفترة المسائية ففي المملكة المتحدة أظهرت بيانات مكتب الإحصاءات الوطني أن نحو ثلث الإنفاق عبر البطاقات المصرفية يتم بين السادسة مساء والسادسة صباحا بينما يستحوذ قطاع المطاعم وحده على أكثر من نصف إنفاقه خلال هذه الفترة ولا تعكس هذه الأرقام خصوصية السوق البريطانية بقدر ما تعكس نمطا استهلاكيا أصبح يتكرر في معظم الوجهات السياحية حيث تتحول ساعات المساء إلى الفترة الأكثر نشاطا للإنفاق على الضيافة والترفيه والتسوق.
ومن منظور اقتصادي يمكن تفسير ذلك بأن رحلة السائح لا تنتهي بانتهاء جولاته النهارية بل تدخل مرحلة جديدة مع حلول المساء إذ يتجه إلى المطاعم والمقاهي والأسواق المفتوحة والمراكز التجارية والعروض الثقافية والترفيهية وهو ما يوزع إنفاقه على عدد أكبر من الأنشطة الاقتصادية خلال فترة زمنية قصيرة، لذلك فإن السياحة الليلية لا تمثل نشاطا إضافيا بقدر ما تمثل امتدادا للدورة الاقتصادية للرحلة السياحية بما يزيد القيمة المضافة التي يحققها كل زائر.
ولهذا السبب لم تعد المؤسسات السياحية العالمية تنظر إلى عدد الزوار باعتباره المؤشر الوحيد لنجاح القطاع بل أصبحت تمنح أهمية أكبر لمؤشرات مثل متوسط الإنفاق لكل سائح ومتوسط الإنفاق لكل ليلة ومدة الإقامة باعتبارها مؤشرات تعكس الكفاءة الاقتصادية للوجهة السياحية وقدرتها على تحقيق أعلى عائد من الاستثمارات القائمة.
وبالنسبة للبحرين فإن هذه المؤشرات تكتسب أهمية خاصة في ظل التوجه نحو زيادة مساهمة السياحة في الاقتصاد الوطني فالمملكة تمتلك بالفعل شبكة متطورة من الفنادق والمطاعم والمقاهي ومراكز التسوق والواجهات البحرية، وهي أنشطة يبلغ الطلب عليها ذروته خلال الفترة المسائية ومن ثم فإن تعظيم إنفاق السائح الموجود بالفعل قد يكون أكثر استدامة وأقل تكلفة من الاعتماد المستمر على زيادة أعداد الزوار وهو ما يجعل الاقتصاد السياحي الليلي أداة لتعزيز القيمة الاقتصادية للقطاع وليس مجرد وسيلة لإطالة ساعات النشاط.
ماذا تعلمت المدن العالمية من الاقتصاد السياحي الليلي؟
لم يظهر الاقتصاد السياحي الليلي بوصفه نشاطا ترفيهيا مستقلا بل جاء نتيجة تحول في طريقة إدارة المدن لاقتصادها السياحي فقد أدركت العديد من الوجهات العالمية أن الفنادق والأسواق والواجهات البحرية والمطاعم تحقق أعلى عائد عندما تبقى جزءا من الدورة الاقتصادية بعد غروب الشمس لا أن ينتهي نشاطها بانتهاء ساعات العمل التقليدية ومن هنا انتقلت المنافسة من استقطاب الزوار فقط إلى تعظيم القيمة الاقتصادية للوقت الذي يقضيه السائح داخل المدينة.
وتعد لندن من أبرز النماذج في هذا المجال إذ تبنت منذ عام 2016 استراتيجية متخصصة للاقتصاد الليلي واستحدثت منصب عمدة الليل لتنسيق السياسات المتعلقة بالأنشطة الليلية بين مختلف الجهات وتشير تقديرات هيئة لندن الكبرى إلى أن الاقتصاد الليلي يدعم نحو 1.3 مليون وظيفة أي ما يقارب ربع القوى العاملة في المدينة كما يساهم بعشرات المليارات من الجنيهات الإسترلينية سنويا، وهو ما يعكس تحوله إلى أحد مكونات الاقتصاد الحضري وليس مجرد قطاع ترفيهي.
ولم تكن لندن حالة استثنائية ففي دبي استخدمت الفعاليات العالمية والمهرجانات وساعات العمل الممتدة في مراكز التسوق لتعزيز إنفاق الزوار خلال الفترة المسائية بينما ركزت سنغافورة على دمج الواجهة البحرية والأنشطة الثقافية والترفيهية مع شبكة نقل عام فعالة تضمن استمرار الحركة حتى ساعات متأخرة، أما بانكوك فقد نجحت في تحويل الأسواق الليلية والمطاعم وعروض الشوارع إلى جزء رئيس من هويتها السياحية حتى أصبحت التجربة الليلية نفسها سببًا رئيسيًا لزيارة المدينة.
ورغم اختلاف هذه النماذج فإنها تشترك في مبدأ اقتصادي واحد، وهو أن نجاح الاقتصاد الليلي لا يعتمد على زيادة عدد الفعاليات أو المقاهي وإنما على تكامل عناصر التجربة السياحية ضمن منظومة واحدة تربط النقل والأمن والثقافة والترفيه والضيافة والتسوق وعندما تتحقق هذه المنظومة ترتفع مدة بقاء السائح خارج الفندق وتتوسع دائرة إنفاقه وتستفيد قطاعات اقتصادية متعددة من العائد السياحي.
وهنا تبرز الفرصة أمام البحرين فالمملكة تمتلك معظم المقومات التي استثمرتها تلك المدن لكن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من توافر الأصول السياحية إلى تكاملها ضمن رؤية اقتصادية موحدة تجعل ساعات المساء امتدادًا طبيعيًا للحركة الاقتصادية وهو ما يفتح الباب أمام سؤال أكثر أهمية:
كيف تستطيع البحرين تحويل الليل إلى محرك جديد للاقتصاد السياحي؟
لا يبدو أن التحدي الذي تواجهه البحرين اليوم يتمثل في نقص المقومات السياحية فالمملكة تمتلك معظم العناصر التي يقوم عليها الاقتصاد السياحي الليلي بدءا من الأسواق التراثية في المنامة والمحرق مرورا بالواجهات البحرية والمجمعات التجارية ووصولا إلى شبكة الفنادق والمطاعم والمقاهي لكن التجارب العالمية تؤكد أن وجود هذه الأصول وحده لا يكفي فالقيمة الاقتصادية لا تتحقق بمجرد توافرها بل بقدرتها على العمل ضمن منظومة متكاملة تدفع الزائر إلى إطالة فترة بقائه وتوسيع دائرة إنفاقه.
ولا يخلو المشهد البحريني من مؤشرات تؤكد وجود طلب حقيقي على هذا النوع من السياحة فقد أسهم مهرجان ليالي المحرق في استقطاب أعداد كبيرة من الزوار وسجل مركز زوار مسار اللؤلؤ نحو 594,752 زائرا خلال ديسمبر 2025 وهو أعلى عدد زوار بين المواقع الثقافية والتراثية في المملكة خلال ذلك الشهر بما يعكس قدرة الفعاليات المسائية على تنشيط الحركة السياحية وإعادة إحياء المناطق التاريخية.
كما قدمت فعالية ريترو المنامة نموذجا عمليا على الأثر الاقتصادي للاقتصاد السياحي الليلي فقد أكد عدد من تجار سوق المنامة القديم خلال متابعات ميدانية أجرتها «البلاد» أن الفعالية أعادت الحياة إلى السوق خلال ساعات المساء وأسهمت في زيادة الإقبال على المحال التجارية والمطاعم والمقاهي بعد أن كانت الحركة التجارية تتراجع مع نهاية ساعات العمل التقليدية وتؤكد هذه الشهادات أن تنشيط المناطق التراثية لا يحتاج دائمًا إلى استثمارات رأسمالية ضخمة، بقدر ما يحتاج إلى برامج وفعاليات قادرة على جذب الزوار وتحفيزهم على البقاء لفترة أطول.
لكن تحويل هذه النجاحات إلى أثر اقتصادي مستدام يتطلب الانتقال من تنظيم فعاليات موسمية إلى بناء منظومة متكاملة للاقتصاد السياحي الليلي ويبدأ ذلك من تنسيق روزنامة الفعاليات على مدار العام، وربط الأسواق التراثية بالمراكز الثقافية والواجهات البحرية وتحسين سهولة التنقل بين الوجهات السياحية وتشجيع القطاع الخاص على تطوير تجارب ليلية متنوعة تتجاوز المفهوم التقليدي للتسوق أو تناول الطعام. فكلما أصبحت تجربة السائح أكثر تكاملا ارتفعت احتمالات بقائه لفترة أطول واتسعت دائرة إنفاقه لتشمل قطاعات اقتصادية متعددة.
ولا يقتصر أثر هذا التوجه على القطاع السياحي وحده بل يمتد إلى قطاعات التجزئة والنقل والخدمات والثقافة والصناعات الإبداعية بما يعزز الترابط بين الأنشطة الاقتصادية ويرفع العائد من الاستثمارات القائمة دون الحاجة إلى توسعات رأسمالية كبيرة وهذه هي إحدى أهم مزايا الاقتصاد الليلي فهو يركز على رفع كفاءة استغلال الأصول الموجودة قبل التفكير في إنشاء أصول جديدة.
الفرصة لم تعد في عدد الزوار...
بل في قيمة كل زيارة
تكشف تجربة البحرين خلال السنوات الأخيرة أن القطاع السياحي تجاوز مرحلة التركيز على استقطاب الزوار وأصبح أمام فرصة أكثر أهمية تتمثل في تعظيم القيمة الاقتصادية لكل زيارة فمع نضج البنية السياحية وتوسع قاعدة الخدمات لم يعد السؤال الرئيس هو كم عدد السياح الذين يصلون إلى المملكة بل كم قيمة اقتصادية يضيفها كل سائح للاقتصاد الوطني.
ومن هذا المنطلق فإن الاقتصاد السياحي الليلي لا ينبغي النظر إليه باعتباره نشاطا ترفيهيا أو وسيلة لتمديد ساعات العمل بل باعتباره أداة اقتصادية قادرة على رفع إنتاجية القطاع السياحي فكل ساعة إضافية يقضيها الزائر خارج الفندق تعني طلبًا أكبر على المطاعم والمقاهي والمتاجر ووسائل النقل والأنشطة الثقافية والترفيهية وهو ما ينعكس على إيرادات المنشآت ويولد فرصًا اقتصادية لعدد واسع من القطاعات المرتبطة بالسياحة.
وفي تقديري فإن تنافسية البحرين خلال السنوات المقبلة ستعتمد على قدرتها على الانتقال من سياسة استقطاب الزوار إلى سياسة تعظيم العائد من الزائر فالدول التي تحقق أعلى قيمة مضافة من القطاع السياحي ليست بالضرورة الأكثر استقبالًا للسياح وإنما الأكثر قدرة على تحويل كل رحلة إلى تجربة اقتصادية متكاملة تستفيد منها مختلف الأنشطة التجارية والخدمية. وإذا نجحت البحرين في ترسيخ رؤية متكاملة للاقتصاد السياحي الليلي فإنها لن تضيف ساعات نشاط جديدة فحسب بل ستضيف مصدرًا جديدًا للنمو الاقتصادي يعزز مساهمة السياحة في التنويع الاقتصادي ويرفع كفاءة الاستثمارات التي تمتلكها المملكة بالفعل ويمنحها ميزة تنافسية في سوق سياحي عالمي بات يقيس النجاح بقيمة التجربة أكثر من عدد الزوار. ...
이 뉴스, 어떠셨어요?
탭 한 번으로 반응 · 로그인 불필요